تقدم الهيئة الاعلامية للشيخ على بن حاج
بيان للشيخ
لماذا نقاطع ؟ 6
الجزائر في 08 ربيع الثاني 1430 هـ الموافق لـ: 04 أفريل 2009م
بيان: الأدلة الشرعية على بطلان خدعة المصالحة الوطنية.
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين القائل في الحديث الصحيح:"ما من عبد يسترعيه الله رعيته، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة" وفي الحديث الآخر "أيما راع غش رعيته فهو في النار" وعلى آله وصحبه أجمعين.
* من أهم الموضوعات التي كثر فيها الحديث أثناء الحملة الانتخابية لرئاسيات 2009 موضوع المصالحة الوطنية والتي تطرق لها جميع المترشحين وخاصة المرشح "المستقل" الذي جعلها حجر الزاوية في حملته وفي سلم أولوياته السياسية بغية الحصول على عهدة ثالثة زاعما أنه في حالة انتخابه للمرة الثالثة فسوف يعطيها دفعا جديدا، والملاحظ أنه في جميع تجمعاته التي يحشر لها الناس حشرا وبالإكراه كما هو الحال في عنابة حيث تتعطل الحياة العامة بما في ذلك المدارس والإدارة وحتى المحاكم تتعطل ويتم تحويل حافلات الطلبة الجامعيين إلى قلب عنابة قسرا يصرح أن المصالحة الوطنية خيار لا رجعة فيه، وهو الذي سبق وأن اعترف بفشله في تحقيقها ميدانيا في أكثر من مناسبة فهو الذي تراجع عن العفو الشامل الذي أعلن في أواخر أكتوبر 2004 أنه "سأستفتي الشعب حول العفو الشامل" وحلت لجنة العفو الشامل التي كان أحد أعضاءها الرئيس الأسبق أحمد بن بلة، الذي صرح بتاريخ 30 جوان 2004 أنه على اتصال بالجماعات المسلحة في الجبل ويؤكد أن قانون العفو الشامل سيصدر بعد 03 أشهر وبعد ذلك هدد أحمد أويحي لحنة العفو الشامل بالمتابعة القضائية، ألم يقل المرشح "المستقل" في 04 سبتمبر 2005 من ولاية ورقلة "أن العفو الشامل لم تتهيأ ظروفه بعد" وهو الذي اتهم بتاريخ 20 سبتمبر 2003 مؤسسات الدولة بالتماطل في معالجة ملف المفقودين ولكنه لم يحرك ساكنا، وصرح بتاريخ 04 جوان 2005 من لشبونة بالبرتغال أنه "يشكو من عراقيل في طريق المصالحة" ومرة أخرى لا يحسن المرشح "المستقل" إلا الشكوى، وتلك حالة الرئيس الذي يرضى أن ينصّبه الإنقلابيون، وأن يكون أسيرا في يد بارونات المافيا المالية والسياسية وقادة المؤسسة العسكرية، وبتاريخ 28 أوت 2005 من ولاية بشار صرح أن هناك "أطراف في السلطة ضد المصالحة خدمة لمصالحها" ولم يحرك ساكنا ولم يحدد من هي هذه الأطراف التي تعرقل المصالحة؟!!! وفي 16 مارس 2007، صرح لصحيفة اسبانية "لا ننكر حدوث اختلالات لكن لن نتراجع عن المصالحة" ومن أكبر الأدلة على فشله في جميع مشاريعه وعلى رأسها "المصالحة" أنه بمجرد أن عدّل الدستور بطريقة مستهجنة تخدم طموحاته الشخصية السلطوية طلب في اجتماع لمجلس الوزراء بتفعيل المصالحة وذلك بتاريخ 26 نوفمبر 2008 وهو ما قام به الوزير الأول أحمد أويحي بعد تقديمه برنامجه أمام البرلمان الفاقد للشرعية والمشروعية بتاريخ 14/12/2008 مما سبق بيانه وهو قليل من كثير يتبين أن المرشح "المستقل" أو الأسير عجز عن تحقيق "المصالحة" التي رفع شعارها ولا يزال كما فشل في المجال السياسي والاقتصادي والإعلامي...الخ.
- لقد خاض في شأن "المصالحة" من حيث القبول والرفض كثير من الأطراف من علماء ودعاة وساسة ورجال قانون ومفكرين وعلماء اجتماع ومهتمين بشؤون حقوق الإنسان، وسوف أعود إلى هذا الموضوع بالتأليف في المستقبل إن شاء الله تعالى لتجلية كثير من الحقائق الغائبة عن كثير من الناس في الداخل والخارج، ولكن أركز في هذا البيان حول فقه المصالحة من الناحية الشرعية ليعلم العام والخاص زيف هذه "المصالحة"، والحاصل أن شعار "المصالحة" الذي يرفعه المرشح "المستقل" مخالف لأحكام الشريعة في عقد المصالحة الشرعية الذي يرضي الله تبارك وتعالى، وإزالة لشبهات يسوقها بعد الدعاة دون إطّلاع على واقع الأمر، فيتحدثون في عموميات دون تفاصيل وينزلون نصوص شرعية في غير مواطينها.
- يتهمنا البعض –غفر الله لنا ولهم- أننا ضد المصالحة وضد الوفاق، ونحن نقول بكل وضوح وصراحة، لا أحد من المسلمين له مزعة عقل يعارض المصالحة والسلم والأمن والأمان، وإنما نحن ضد المخادعة والمكر والإستخفاف بعقول الناس، والمسلم بطبعه كيس فطن حذر،وكما قال عمر بن الخطاب رضي اله عنه "لست بخبّ، والخبّ لا يخدعني" وفي الحديث "لا يلدغ المؤمن من جُحر مرتين" ولبيان مخالفة "المصالحة" لأحكام الشريعة سوف نتطرق لجملة من النقاط الهامة والله الموفق:
أولا: مكانة المصالحة في الإسلام:
- المصالحة عند كل مسلم يفقه أمور دينه مُسلّمة من المُسلّمات الشرعية ومكانة المصالحة في الإسلام عظيمة، وهي من أجلّ الأخلاق الاجتماعية، إذ بها يُرفع الخلاف وتنتهي المنازعة، التي تنشأ بين أهل الخصام والعداوة ولذلك كان الصلح من أسمى المطالب الشرعية والإصلاح بين الناس ليس من نافلة القول بل هو تكليف إلهي للقادرين عليه حتى لا تفسد أواصر الأخوة الإيمانية بين المؤمنين والصلح مشروع بالكتاب والسنة والإجماع.
أ-من الكتاب: قوله تعالى "إنما المؤمنون إخوة فأصلوا بين أخويكم" وقوله تعالى "لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس"، وقوله تعالى "والصلح خير"، قال ابن رشد رحمه الله "وهذا عام في الدماء والأموال والأعراض وفي كل شيء يقع التداعي والاختلاف فيه بين المسلمين".
ب-من الحديث: جاء في الحديث الصحيح "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة، قالوا بلى يا رسول الله، قال، إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحاقة، أما إني لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين" وذلك لما كان النزاع سبب الفساد والفشل ورفعه وقطعه بين المسلمين مطلوب شرعا، كان الصلح من أفضل الأعمال لأنه وسيلة لذلك، والوسائل تأخذ حكم المقاصد، وقال عليه الصلاة والسلام "الصلح جائز بين المسلمين" وفي رواية "إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا" وقال الشوكاني رحمه الله "بين المسلمين، هذا خرج مخرج الغالب لأن الصلح جائز بين الكفار وبين المسلم والكافر ووجه التخصيص أن المخاطب بالأحكام في الغالب هو المسلمون لأنهم هم المنقادون لها".
ج- عند السلف الصالح:قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه" ردوا الخصوم حتى يصطلحوا، فإنّ فصل القضاء يورث بينهم الضغائن" قال الكاساني رحمه الله "أمر رضي الله عنه برد الخصوص إلى الصلح مطلقا، وكان ذلك بمحضر من الصحابة، لم ينكر عليه أحدن فيكون إجماعا من الصحابة، ويكون حجة قاطعة"، وقال عمر لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه "احرص على الصلح ما لم يتبين لك فصل القضاء"، وقال البهوتي رحمه الله "الصلح من أكبر العقود فائدة لما فيه من قطع النزاع والشقاق"، والحاصل أن الصلح والمصالحة مقصد شرعي لا ينكره مسلم عاقل يرجو ما عند الله تعالى.
ثانيا: الصلح والمصالحة يدخل في باب السياسة الشرعية: لقد نص علماء الإسلام قديما وحديثا أن الاشتغال بالعمل السياسي قربة من القربات، فالسياسة من عمل الأنبياء، كما جاء في الحديث الصحيح كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء" وفي الحديث "ليوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة" ولب السياسة الإسلامية هو رعاية شؤون المسلمين المتصلة بدينهم ودنياهم، والسياسة في الإسلام لا يمكن أن تخرج عن الشرعية، والشريعة ليست مجرد الصلاة والصيام والزكاة بل هي أوسع من ذلك بكثير، قال قتادة رضي الله عنه "الشريعة الفرائض، والحدود الأمر والنهي"، وقال القرطبي رضي الله عنه "الاحتكام إلى الشرع فرض على الأمة" ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه "تعلموا البقرة والنساء والحج والنور، فإن فيهن فرائض" ولذلك قال ابن الجوزي رحمه الله "الشريعة هي السياسة" وقال الإمام السخاوي رحمه الله "الشرع هو السياسة لا عمل السلطان بهواه" والذي يستدرك على بعض أحكام الشرع، لم تنفعه صلاته ولا صيامه ولا صدقته، قال الإمام جعفر الصادق رحمه الله "لو أن قوما عبدوا الله وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وصاموا رمضان وحجوا البيت، ثم قالوا لشيء صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا صنع خلاف ما صنع، أو وجدوا في أنفسهم حرجا منه لكانوا مشركين"، ما يميز السياسة الإسلامية عن غيرها إنما هو من حيث مصدرها لأنها تعتمد على الشرعية المطهرة والعقل وتجارب الأمم، بخلاف السياسة العلمانية تعتمد على العقل وحده دون أحكام الشريعة، وتهتم برعاية مصالح العباد في شؤون الدنيا والآخرة بخلاف السياسة العلمانية تقتصر على أمور الدنيا، أما حكام العرب اليوم لا يقومون لا بأمر الدنيا ولا بأمر الدين، ومن حيث الوسائل يجب أن تكون مشروعة للوصول إلى الغايات المشروعة، فالغاية لا تبرر الوسيلة بخلاف السياسة العلمانية، إذ الغاية تبرر الوسيلة ولذلك فرّق علماء الإسلام بين السياسة المحمودة والسياسة المذمومة، قال بن خليل الطرابلسي الحنفي رحمه الله "السياسة نوعان، سياسة ظالمة فالشريعة تحرمها، وسياسة عادلة تخرج الحق من الظالم وترفع كثيرا من المظالم ويتوصل بها إلى المقاصد الشرعية" والحاصل أن عقد المصالحة يجب أن يخضع لأحكام الشريعة بعيدا عن المكر والخديعة والغدر، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول "المكر والخديعة في النار" والسياسة الشرعية عند أهل العلم ليس ما نطق به الشرع كما ذهب إليه الإمام الشافعي رحمه الله، وإنما ما لا يخالف الشرع ومقاصده الكبرى التي نصت عليها الشريعة الإسلامية الغراء.
ثالثا: تعريف الصلح لغة وشرعاً:
- أصبحت كلمة المصالحة سلعة رائجة على الساحة الدولية والإقليمية والداخلية تارة بين دولة ودولة عربية أو غربية وتارة بين الأنظمة وقوى المعارضة السياسية أو المسلحة وعندما نفحص هذه المصالحات المتعددة نجدها قائمة على الخديعة والمكر ولذلك سرعان ما تفشل وتحدث الانتكاسة وتنقلب الأمور رأساً على عقب ونظراً للتدليس والتلبيس الذي يصدر عن بعض أهل العلم - غفر الله لنا ولهم - ممن يطلق على المخادعة والمكر اسم المصالحة إما جهلاً بالواقع أو مجاملة لأهل الجور والباطل نجد أنفسنا مضطرين لتعريف عموم الناس بمعنى الصلح والمصالحة لغة وشرعاً.
أ- تعريف الصلح لغة: قال ابن فارس:"الصاد واللام والحاء أصل واحد يدخل على خلاف الفساد" صَلَح الشيءُ وصَلُح صُلوحاً فهو صالح من الصلاح الذي هو خلاف الفساد والصلح اسم منه بمعنى التصالح والمصالحة وهي المسالمة بعد المنازعة قال الراغب الأصفهاني: "والصلح يختص بإزالة النّْفار بين الناس يقال منه اصطلحوا وتصالحوا" قال النووي رحمه الله: "الصلح والإصلاح والمصالحة قطع المنازعة مأخوذة من صَلُح الشيء بفتح اللام وضمها إذا كمل وهو خلاف الفساد يقال صالحته مصالحة وصلاحاً وقد اصطلحا وتصالحا وأصالحا"، والحاصل أن الصلح هو قطع المنازعة.
ب- تعريف الصلح شرعاً: "الصلح عقد ينهي الخصومة بين المتخاصمين وسمي كل من المتعاقدين مصالحاً وسمي الحق المتنازع فيه مصالحاً عنه وما يسمى ويؤديه أحدهما لخصمه قطعاً للنزاع مصالحاً عليه أو بدل الصلح" واتفقت المذاهب الأربعة على أن الصلح في الاصطلاح الفقهي "معاقدة يرتفع بها النزاع بين الخصوم ويتوصل بها إلى الموافقة بين المختلفين" والحاصل فهو عقد لرفع المنازعة بعد وقوعها بالتراضي.
رابعاً: هدف الصلح:
- إنما شرع الصلح لقطع جذور الخصومة والمنازعة وصولا إلى المسالمة والمصالحة وأن يحل الوفاق محل الشقاق أما إذا كان هدف أحد الأطراف التحايل على طرف آخر يكون بذلك قد ناقض الهدف الحقيقي للمصالحة الحقيقية، وهذا ما حدث مع قادة وأتباع الجيش الإسلامي للإنقاذ حيث تملصت السلطة السياسية والعسكرية من التزامها الأخلاقي وأنكرت وجود وثيقة للوئام أصلا نعوذ بالله من الغدر .
خامساً: أنواع الصلح:
- من العلوم الشرعية الدقيقة علم الفروق وخير من تحدث فيه الإمام المالكي القرافي رحمه الله فمثلاً يجب التفريق بين النصوص الشرعية التي تتناول أنواع القتل والقتال مثل قتل العمد وشبه العمد والخطأ والقتال على الملك والرياسة وقتال التأويل والاجتهاد فلكل نوع من أنواع القتل نصوص خاصة به شرعاً ولا يجوز الخلط بينها أو تنزيل بعضها على البعض الآخر كما يفعل البعض من علماء السلطان من باب التدليس والتلبيس على الناس ومن هذا المنطلق تتنوع أنواع الصلح بحسب موضوعه أو أطرافه ومنها:
- الصلح بين المتخاصمين في غير مال كما في جنايات العمد.
- الصلح في المعاملات بين المتخاصمين في الأموال.
- الصلح بين الزوجين إذا خيف الشقاق بينهما أو خافت الزوجة إعراض الزوج عنها.
- الصلح بين المسلمين والكفار بعقد الذمة أو الهدنة أو الأمان.
- الصلح بين أهل العدل وأهل البغي.
- الصلح بين الراعي والرعية.
فكل نوع من أنواع الصلح هذه لها أحكام خاصة بها مدونة في كتب الفقه.
سادساً: أركان وشروط الصلح:
- من المعلوم شرعاً أن لكل عقد من العقود أركان يقوم عليها وشروط يتوقف ترتب أحكامه على تحقيقها وأهم تلك الأركان هو الصيغة المؤلفة من الإيجاب والقبول الدالة على التراضي ومن شروط الصلح ما يرجع إلى المُصالح ومنها ما يرجع إلى المُصالح به ومنها ما يرجع إلى المُصالح عنه وهو الشيء المتنازع فيه ومنها ما يرجع إلى المتعاقدين.
أ- أن يكون المصالح عنه حقا ثابتا للمصالح في المحل والصلح إما إسقاط أو معاوضة.
ب- الصيغة الإيجاب والقبول الدالين على التراضي فإذا وجد الإيجاب والقبول فقد تم الصلح ولم يجز الفقهاء صلح المكره.
ج- أهلية المتعاقدين لا خلاف بين الفقهاء في أنه لابد لصحة عقد الصلح أن يكون كل واحد من طرفيه أهلاً للتعاقد.
ومتى تم الصلح بالطريقة الشرعية أصبح عقداً لازماً للمتعاقدين فلا يصح لأحدهما أن يستقل بفسخه بدون رضا الآخر، وكل هذه الأركان والشروط منتفية فيما يسمى المصالحة الوطنية.
سابعاً: متى يكون الصلح باطلاً شرعاً:
- الصلح الشرعي هو الصلح الذي لا يُحل حراماً ويُحرم حلالاً للحديث الصحيح السابق ذكره ولذلك يتنوع الصلح بحسب مبناه وما يقوم عليه أو ما يفضي إليه وهو نوعان:
أ- صلح عادل جائز وهو ما كان مبناه رضى الله سبحانه ورضى الخصمين وأساسه العدل والعلم فيكون المصالح عالماً بالواقع عارفاً بالواجب قاصداً للعدل كما قال تعالى: "فأصلحوا بينهما بالعدل" الحجرات.
ب- صلح جائر مردود وهو الذي يُحل الحرام أو يُحرم الحلال كالصلح الذي يتضمن أكل الربا أو إسقاط واجب وكما في الإصلاح بين القوي الظالم والخصم الضعيف المظلوم بما يرضى المقتدر صاحب الجاه وإغماض حق الضعيف أو تعطيل حد، وقد فصل في ذلك الإمام السرخسي رحمه الله في المبسوط وابن القيم رحمه الله في الإعلام فنظره هناك، ومن أنواع الصلح الباطل شرعاً ما كان لإبطال حق من حقوق الله تعالى، قال ابن القيم رحمه الله: "الحقوق نوعان حق الله وحق الآدمي فحق الله لا مدخل للصلح فيه كالحدود والزكوات والكفارات ونحوها وإنما الصلح بين العبد وربه في إقامتها لا في إهمالها ولهذا لا يقبل بالحدود وإذا بلغت السلطان فلعن الله الشافع والمشفِّع وأما حقوق الآدميين فهي التي تقبل الصلح والإسقاط والمعاوضة عليها". ومن أنواع الصلح الباطل القائم على الإكراه أو الصلح عن مجهول والصلح تعتريه الأحكام التكليفية الخمسة فتارة يكون واجباً وتارة يكون حراماً وتارة يكون مندوباً وتارة يكون مكروهاً وتارة يكون مباحاً كما ذهب إلى ذلك الإمام المالكي ابن جُزّي في القوانين الفقهية فأنظره هناك. والحاصل أن جائز بالاتفاق لكنه ليس على الإطلاق وإن المصالَح عنه أي الشيء المتنازع فيه نوعان حق الله وحق العبد وقد أجمع العلماء أن حق الله لا صلح فيه وعدم صحة الصلح عنه، والسلطة الفعلية والرسمية تطالب دوما المعارضة السياسية والمسلحة بالتخلي عن أمور هي من صلب الدين ومن حقوق الله تعالى، ورغم ذلك نجد بعض أهل العلم –غفر الله لنا ولهم- يطلقون على مخادعة المرح "المستقل" مصالحة وهي مخالفة لأحكام الشريعة نعوذ بالله من الغفلة.
ثامناً: إذا فشل الصلح فالقضاء هو الحل:
- الإصلاح بين الناس مندوب ولا بأس أن يشير القاضي بالصلح على الخصوم ما لم يتبين له أن الحق لأحدهما فإن تبين له أنفذ الحكم لصاحب الحق لأن الفصل بطريق الصلح يكون أقرب إلى بقاء المودة فإن اصطلحا الخصمان وإلا قضى فيهما بما يوجب الشرع، ونحن على استعداد إلى محاكمة شرعية أو محاكمة وطنية حقيقية أو دولية تحدد من هو المسؤول عما حدث منذ 1992.
تاسعاً: المصالحة المغشوشة مصيرها الفشل:
- أهم عامل في نجاح أي مصالحة أن يكون المصالح بين الطرفين منصفاً عادلاً صالحاً يبتغي وجه الله تعالى والصالح العام قال الزجاج رحمه الله: "الصالح هو الذي يؤدي إلى الله عز وجل ما افترض عليه ويؤدي إلى الناس حقوقهم" وأعظم إنجاز بالنسبة للحاكم إنما هو إقامة العدل والإنصاف بين الناس والابتعاد عن مسالك الظلم والجور قال أحد الحكماء: "عدل السلطان أنفع للرعية من خِصب الزمان" وذُكر الظلم في مجلس ابن عباس فقال كعب: إني لأجد في كتاب الله المنزل (التوراة) أن الظلم يُخرب الديار، فقال ابن عباس رضي الله عنه:"أنا أجده لك في القرآن، قال الله تعالى:"فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا" وكتب عامل لعمر بن عبد العزيز على حمص إلى عمر:"إن حمص قد تهدم حصنها (سورها) فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في إصلاحه" فكتب إليه عمر:"أما بعد، فحَصِّنها بالعدل والسلام" وهذا سر فشل قانون الرحمة والوئام والمصالحة لأن كل ذلك قام على الجور والظلم والإقصاء والمكر والخديعة وأصبح المفسد يدعي الصلاح الإصلاح "وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون". ولا عجب أن يصف فرعون سيدنا موسى عليه السلام بالفساد "إني أخاف أن يبدل دينكم وأن يطهر في الأرض الفساد".
عاشراً: الطريق إلى المصالحة الحقّة:
- النية الصادقة "إن يعلم الله في قلوبكم خيراً يؤتكم خيرا"،"إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما".
- التزام أحكام الشرع في عقد المصالحة التي تقطع الأزمة من جذورها.
- جمع الأطراف المتنازعة على صعيد واحد وتحديد مواطن النزاع بدقة وسماع جميع الأطراف دون إقصاء أو تهميش.
- رسم معالم مشروع المصالحة بكل وضوح ودقة، بحيث يسترجع الجميع حقوقهم، الشرعية والسياسية والمدنية والاجتماعية والدعوية والإعلامية، بعيدا عن روح الانتقام والتشفي.
- لابد من تضافر جهود الجميع (علماء وساسة ورجال فكر، وشخصيات تاريخية ووطنية وسلطة وأحزاب) من أجل عقد مصالحة حقيقية بعيدة عن التلفيق وأنصاف الحلول والغش والخديعة.
حادي عشر:
- من حق الحاكم عدم التنازل عن منصبه إذا ناله بطريقة شرعية قائمة على الاختيار كما فعل عثمان رضي الله عنه حيث قال عندما طُلب منه التنازل عن الحكم والمنصب: "لا أنزع قميصاً ألبسنيه الله" وأخذ بقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"يا عثمان إن الله عسى أن يلبسك قميصاً (عن طريق الاختيار طبعاً) فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني ثلاث" ولكن سيدنا الحسن سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم تنازل عن المنصب بغية الإصلاح بين المسلمين وكان صلحه مع معاوية رضي الله عنه من الأحداث العظام في تاريخ الأمة الإسلامية فهو أول خليفة تنازل عن منصبه وخلع نفسه طواعية حقنا لدماء المسلمين وتحقق فيه قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يُصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين"، قال ابن بطال رحمه الله: "سلم الحسن لمعاوية الأمر وبايعه على إقامة كتاب الله وسنة نبيه" وهذا التنازل شمل مجرد المنصب ولم يشمل التنازل عن مقاصد المنصب الشرعية لأن معاوية لم يمس مقصد تحكيم الشريعة الإسلامية لأن الصلح يكون باطلا إذا تنازل عن تحكيم شرع الله تعالى كما سبق بيانه، واستمر الحكم إسلامياً شرعياً ما عدا الشكل فقد تغير عما كان عليه زمن الراشدين فلابد من التفريق بين التنازل عن المنصب وعن مقاصد المنصب الشرعية وأنا شخصياً أتنازل عن حقي في العمل السياسي إذا طُبقت أحكام الشريعة، أو يسمح بحزب هدفه السعي إلى تطبيق أحكام الشرعية.
- أمّا ما جاء في عقد المصالحة مقابل التنازل عن المنصب فيمكن إجماله فيما يلي:
أ- صالحه على أن يسلم إليه ولاية المسلمين بعده أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخلفاء الراشدين وعودة الشورى بين المسلمين.
ب- أخذ الأمان لأصحابه جميعاً واشترط أن لا يطالب أحداً من أهل المدينة والحجاز والعراق بشيء والعفو للجميع فيما أصابوا من الدماء والأموال.
ج- حقه في الفيء والمال. وقد وافق معاوية رضي الله عنه على شروطه.
وقد استنبط العلماء فوائد جمة من هذا الصلح العظيم القائم على أسس شرعية وأخرى سياسية.
- تحقق علم من أعلام النبوة.
- من ثماره حقن دماء المسلمين وجمع الكلمة على حاكم يطبق أحكام الشرعية الإسلامية.
- تنازل الحسن من منصبه دون أي ضغوط ومن مركز قوة.
- العفو عن الأموال والدماء حتى يقف القتل لأن أصحابه لا يكفون عن ذلك إلا بالصفح عما مضى منهم.
- وفي الصلح رد على الخوارج الذين كانوا يكفرون علياً ومعاوية ومن معهما وذلك بشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم طائفتين من المسلمين.
ثاني عشر: بطلان ميثاق السلم والمصالحة من الناحية الشرعية:
- مما سبق ذكره وبيانه يتبين لنا بجلاء أن ما يسمى مصالحة وطنية ما هي إلا مخادعة كبرى لمخالفتها لأحكام الشريعة فهي قد تجاهلت أسباب النزاع والخصومة لأنها أحادية الجانب واستئصالية المضمون ولم تحدد أطراف العقد ولا تتوفر فيها أركان العقد وشروطه وأغفلت الشيء المتنازع فيه وما هو بدل الصلح المصالح عليه فهي مصالحة باطلة لأنها تشترط على الطرف الآخر السياسي أو المسلح التنازل عن حقوقه الشرعية وفيها ما هو من حق الله تعالى الذي لا يجوز التنازل عليه كما سبق بيانه ولم يثبت في يوم من الأيام أن جلس أطراف النزاع على طاولة واحدة للمصالحة والمكاشفة منذ الانقلاب على اختيار الشعب منذ 1992 وأكبر همّ السلطة القائمة الرسمية والفعلية هو التنازل عن الحقوق المشروعة شرعاً ووضع السلاح والاكتفاء بالحياة العادية دون تطلع إلى ممارسة الحقوق الشرعية والسياسية والمدنية والاجتماعية والأدهى من ذلك كله أن ميثاق السلم والمصالحة الاستئصالي قد أعطى الحصانة للانقلابيين المجرمين الذين مارسوا التعذيب والخطف والقتل خارج القانون ويكفي أن المادة 45 من ميثاق السلم والمصالحة تمنع رفع دعوى ضد الجلادين على ما اقترفوه من جرائم مما سيدفع البعض إلى رفع دعاوى في الخارج لاسيما والجزائر وقعت على مواثيق دولية تسمح بالمحاكمة خارجياً إذا رفض القضاء الداخلي إنصاف المواطنين وهي بتوقيعها على تلك الاتفاقيات الدولية قد أعطت لمواطنيها محاكمتها خارجياً أما المادة 46 من ميثاق السلم فهي تعاقب كل من يستعمل من خلال تصريحاته أو كتاباته أو أي عمل آخر جراح المأساة الوطنية أو يعتد بها للمساس بمؤسسات الجمهورية ......" فهي هلكوست جزائري لطمس الحقائق وتزوير التاريخ ومنح حصانة للمجرمين من المتابعة القضائية داخلياً وخارجياً أما المادة 26 منه فتمنع ممارسة النشاط السياسي بأي شكل من الأشكال على كل شخص مسؤول عن الاستعمال المغرض للدين الذي أفضى إلى المأساة الوطنية وهذه المادة تخالف أحكام الشريعة والدستور والمواثيق الدولية التي وقعت عليها الجزائر بشأن الحقوق السياسية والمدنية للمواطنين والإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ولذلك سوف نواصل المطالبة بحقوقنا الشرعية والسياسية والمدنية والاجتماعية بالطرق الشرعية لاسيما وأن ما قام به جنرالات المؤسسة العسكرية الذين اغتصبوا الإرادة الشعبية 1992 يدخل في جرائم ضد الإنسانية وهي جرائم لا تزول بالتقادم ولا تنفع فيها الحصانة طال الزمن أم قصر وكلنا يعلم مصائر الطغاة قديماً وحديثاً ومنهم الجنرال بينوشي الذي انقلب على الإرادة الشعبية في مطلع السبعينات والذي قصف القصر الرئاسي الذي كان فيه سلفادور أليندي نعم سوف نطالب بحقوقنا المشروعة قبل وبعد الموعد الانتخابي بل سوف يكون الأمر بعد الانتخابات المحسومة سلفاً أكثر من أي وقت مضى وموعدنا بعد انتهاء المهزلة الانتخابية لأن العمل بعد الانتخابات هو الأساس والمنطلق.
والحاصل أن المرشح"المستقل" منح حصانة للمجرمين ومنع من اختارهم الشعب بمحض إرادته من ممارسة حقوقهم المشروعة وعليه وجب مقاطعة الموعد الانتخابي والله يقول:"ولا تعاونوا على الإثم والعدوان" والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
نائب رئيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ
بن حاج علي
كلمة للشيخ بعنوان الامانة
الرابط الاول
http://www.youtube.com/user/saidnorway
الرابط الثاني
http://video.google.com/videoplay?do...68201868244422
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق