بسم الله الرحمن الرحيم
تقدم الهيئة الاعلامية للشيخ على بن حاج
بيان للشيخ
لماذا نقاطع ؟ 2
الجزائر في: 11 ربيع الأول 1430هـ
الموافق لـ: 08 مارس 2008
بيان: الأدلة الشرعية في الرد على اتهامات
وزير الشؤون الدينية
الحمد لله القائل في كتابه العزيز "ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وسعى في خرابها" البقرة114، وقال عز وجل "ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله، شاهدين على أنفسهم بالكفر" التوبة18، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين القائل في الحديث الصحيح"إذا وسد الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة" وعلى آله وصحبه أجمعين.
* أثناء انعقاد الملتقى الوطني الثالث للمجالس العلمية بدار الإمام بالمحمدية بتاريخ 04/03/2009، نعت وزير الشؤون الدينية دعاة المقاطعة بأوصاف لا يليق أن تصدر من مسلم عادي ناهيك عن وزير للشؤون الدينية، ومناضل سياسي في حزب التجمع الوطني الديمقراطي، فتارة وصفهم بأنهم يريدون خذلان الدولة الجزائرية متجاهلا الفرق بين مفهوم الدولة والسلطة والعصابة السياسية وتارة جعلهم غير جديرين بالوطن وهذا طعن في وطنية دعاة المقاطعة، وفيهم من هو من الرعيل الأول في تفجير ثورة نوفمبر، ومجاهدين وأبناء شهداء وأهل علم وفكر وسياسة، في الوقت الذي كان بعض جنرالات الانقلاب في صفوف الجيش الفرنسي المستعمر، وتارة اتهمهم بزرع التوتر والفوضى متجاهلا أن المقاطعة عمل سياسي مشروع ومعارضة السلطة القائمة أمر متعارف عليه في أبجديات العمل السياسي التعدّدي، ومن طبيعة التعددية الحزبية المعارضة والاختلاف أو الاتفاق على قواسم مشتركة، قال المفكر السياسي الفرنسي إسمان "لا حرية سياسية بدون أحزاب"، وليته اكتفى بتلك الأوصاف الشائنة الجائرة بل راح يطعن في نوايا دعاة المقاطعة، حيث قال "لما لهم من أهواء ومصالح يريدون تحقيقها" أما الطامّة الكبرى عندما وصم دعوة المقاطعين بنصيحة الشيطان الذي يزين سوء العمل، وكأنّ دعاة المقاطعة شياطين، فهل هناك غلو وتطرف أكثر من هذا، وهل بمثل هذا الأسلوب الأرعن نعالج أسباب التطرف والغلو، إن مثل هذه التصريحات تدخل في ما يسمى بسياسة الإقصاء والتخوين والتكفير باسم الوطنية، والأعجب من هذا وذاك أن يسكت الأئمة وطلبة العلم والدعاة الحاضرون عن الصدع بكلمة الحق ورد الوزير إلى رشده، بعد أن طعن في النوايا وأغلظ في الاتهام بدافع سياسي محض، ولكنها الوظيفة التي أخرست ألسنتهم والله المستعان، ونحن نقول، هل كل من خالف السلطة أو العصابة السياسية الحاكمة يعتبر معارضا لوطنه أيها الوزير؟، كان الواجب أن يدافع الوزير عن مصالح الوزارة والأئمة الذين يشتكون من الظلم النازل بهم أو يسعى للحصول على مقر آخر لوزارة الشؤون الدينية يتسع لعمال الوزارة ومهامها الكبرى، ألا ترى أن كل المقرات الوزارية تتواجد في أماكن أرحب وأوسع من وزارة الشؤون الدينية، بما في ذلك المعهد الأعلى للفن والموسيقى الحديث النشأة؟!!!، وكان على وزير الشؤون الدينية أن يخلص المسجد من سيطرة الأجهزة الأمنية المختلفة التي أصبح لها الكلمة حتى في توظيف هذا الإمام أو الداعية وعزل هذا أو ذاك وتمكين هذا ومعاقبة ذاك، وكأن وزارة الشؤون الدينية مجرد مكتب من مكاتب وزارة الدفاع أو الداخلية، فهل يسمح للوزارة التدخل في شؤون بقية الوزارات والتدخل في شؤونها بحجة النصح أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أم أن وزارة الشؤون الدينية جاءت في آخر ذيل الوزارات وربما كانت مهمتها مقصورة على إحياء الشعائر والمواليد وإعلان هلال رمضان والإفطار وتبرير شرعية نظام فقد مبررات وجوده بكل المعايير؟!!!.
* لقد تطرق وزير الشؤون الدينية إلى عدة نقاط في الملتقى السالف الذكر، ولا يمكن مناقشتها والرد عليها بأكملها في هذه العجالة، وإنما سنكتفي بمناقشة بعضها والرد عليها من الناحية الشرعية فحسب، وبحكم أن المردود عليه وزيرا للشؤون الدينية، فالفيصل بيننا وبينه هاهنا هو الكتاب والسنة وما نص عليه علماء الأمة، وبعيدا عن الرد السياسي الصرف، فلكل مقام مقال، وإن كنا أحيانا لا نستطيع أن نعرف أهو يتكلم باسم الشرع وأحكام الدين أم باسم التجمع الديمقراطي أو السلطة الفعلية التي تسيطر على شؤون الوزارة؟!!.
1- قال الوزير"إن المسجد يتكلم باسم الدين في الجزائر" وقال أيضا "الذين يريدون فصل المسجد عن الدولة، يهدفون إلى أن تتخلى المؤسسات عن مهامها في تقوية الدولة..." وحاصل كلامه أنه مع تجنيد المساجد في العمل السياسي، ونحن نقول بعون الله:
أ- لا يختلف اثنان أن المسجد في الإسلام ليس كالكنيسة ولا البيعة، لأن الإسلام لا يؤمن بمقولة "دع ما لله لله، وما لقيصر لقيصر"، رغم أننا نشاهد مؤخرا تدخل الكنائس الكبرى في العالم العربي والغربي، في التوجيه السياسي، وقد نص العلماء أن للمسجد مهاما شريفة متنوعة من بينها التوجيه السياسي مساندة أو معارضة، ولا ينكر هذا الدور إلا جاهل بالشرع أو بالتاريخ أو بالواقع، ولا بأس أن نذكر بعض ما قاله أهل العلم في هذا الصدد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله "...مواضع الأئمة ومجامع الأمة هي المساجد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أسس مسجده المبارك على التقوى ففيه الصلاة، والقراءة والذكر وتعليم العلم والخطب وفيه السياسة وعقد الألوية والرايات وتأمير الأمراء وتعريف العرفاء وفيه يجتمع المسلمون عنده لما أهمهم من أمر دينهم ودنياهم..." وقال الشيخ علي الطنطاوي "المسجد هو المعبد وهو البرلمان وهو المدرسة وهو النادي وهو المحكمة...ففي المسجد يكون انتخاب الخليفة، وفيه تكون البيعة –أي انتخاب الحاكم- وفيه تبحث القوانين التي تستمد من الشرع ثم تعلن على الناس...وعلى منبره يعلن سياسته ويذيع منهاجه..." وقال صاحب الرحيق المختوم "لم يكن المسجد موضعا لأداء الصلاة فقط، بل كان جامعة يتلقى فيها المسلمون تعاليم الإسلام...وبرلمانا لعقد المجالس الاستشارية التنفيذية..." وقال مصطفى السباعي"...وميزة أخرى للمسجد في الإسلام، أنه تنبعث منه في كل أسبوع كلمة حق مدوية، مجلجلة، على لسان خطيبه في إنكار منكر أو أمر بمعروف أو دعوة إلى خير، أو إيقاظ من غفلة أو دعوة إلى تجمع،أو احتجاج على ظالم أو تحذير لطاغية، ولقد شاهدنا في عهد الطفولة كيف كانت المساجد مراكز انطلاق للحركات الوطنية ضد المستعمرين الفرنسيين يلجأ إليها زعماء الجهاد ضد الاستعمار وضد الصهيونية..." وقال الشيخ عبد اللطيف سلطاني رحمه الله الذي كان ممنوعا من الخطابة والتدريس والتعليم في زمن الأحادية الاشتراكية حيث كانت المساجد مؤممّة، وممنوعة على الخطباء أمثال الشيخ البشير الإبراهيمي، والشيخ مصباح، والشيح أحمد سحنون، والشيخ العرباوي رحمهم الله، وأغلب الظن لو عاش الشيخ عبد الحميد بن باديس وامبارك الميلي والعربي التبسي لمنعوا أو سجنوا أو ضربت عليه الإقامة الجبرية كما ضربت على الشيخ سلطاني حتى توفاه الله "وكم أخرج المسجد من رجال عظماء وفطاحل نجباء أناروا الطريق للسائرين في متاهات الحياة، وأرشدوهم إلى ما فيه السلامة والنجاة أمثال الأمير عبد القادر والشيخ عبد الحميد بن باديس وغيرهما لم تخرج مثلهما الجامعات.." فالمسجد له دور سياسي ولكن في خدمة الإسلام وشريعته، لا في خدمة الدولة لاسيما إذا كانت بعيدة عن أحكام الشريعة الإسلامية، فلا يمكن للمسجد أن يمدح الطغاة أو دجاجلة السياسة، فالمسجد فوق المؤسسة، وفوق الثكنة، والإمام فيه يخدم الملة ولا يخدم الدولة أو السلطة وهو قبل هذا وبعد هذا، فهو صاحب رسالة عظيمة وليس بصاحب وظيفة يعتاش منها، بخلاف ما صارت إليه أحوال المساجد في العالم العربي والإسلامي، حيث سيطرت أجهزة الدولة على المساجد وبثت فيها العيون وأصبح الإمام تحت رحمة الأجهزة الأمنية إذا صدع بكلمة حق، وعرضة للتحقيق والإهانة إذا خالف السلطة في توجهاتها، بل إن بعض الأئمة غفر الله لهم وهداهم سواء السبيل أصبحوا يقدمون التقارير الأمنية للجهات المختصة، بل بعضهم، وأقول بعضهم أصبح يشي ببعض الإخوة الذين يخالفونه الرأي والتوجه، وهكذا أصبح رجال الأجهزة الأمنية المختلفة يتدخلون في شؤون المساجد وإدارتها ومضايقة بعض الأئمة إذا انتقدوا الواقع السياسي المرير ولا يستطيع الإمام أن يتدخل في شؤون الأجهزة الأمنية إذا صدر منهم ما يخالف الكتاب والسنة، في مخافر الشرطة ومراكز التحقيق..
ب- لا بد من التفريق، بين فصل المسجد عن الدولة وفصل المسجد عن التوجيه والإرشاد السياسي، ذلك أن الدولة قد تنحرف عن أحكام الشريعة الإسلامية جزئيا أو كليا فأولى الناس بالتصدي لهذا الانحراف هم أهل العلم وطلبته، فالمسجد ليس بوقا لا للدولة ولا للسلطة، ولا لأهواء الرعية والرعاع من الناس، وإنما هو الناصح والموجه والمقاوم، لكل من يصدر منه انحراف عن أحكام الشريعة الإسلامية، سواء صدر ذلك من الراعي أو الرعية، فمن حق الإمام أن ينتقد الحاكم المنحرف عن أحكام الشريعة على أعواد المنبر، كما فعله السلف الأوائل، لا كما هو حال التلف الأواخر، بل من حق أفراد الشعب أن ينتقدوا الحاكم أو الإمام إذا خالف بعض أحكام الشريعة الإسلامية، وهذا ما جرى عليه السلف الصالح رضي الله عنهم، وللتدليل على ذلك، نضرب بعض الأمثلة:
- أخرج مروان (وهو أمير أموي) المنبر يوم العيد، فبدأ بالخطبة قبل الصلاة، فقام رجل فقال يا مروان، خالفت السنة (قلت فكيف لو عطل أحكام الشريعة كليا أو جزئيا)، أخرجت المنبر في يوم عيد، ولو يكن يخرج فيه، وبدأت بالخطبة قبل الصلاة، فقال أبو سعيد الخذري رضي الله عنه، من هذا؟ قالوا فلان بن فلان، فقال، أما هذا فقد قضى ما عليه.، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "من رأى منكم منكرا، فليغيره بيده..."، وهاهو وزير الشؤون الدينية يطعن فينا أيها الناس ويصف دعوة المقاطعة بعمل الشيطان فلا يقف له أحد، بل ها هو رئيس الجمهورية يصف العنف المسلح بأنه إرهاب أشنع وأفظع من الاستعمار الفرنسي، هكذا قال في ولاية سيدي بلعباس، ونسي أنه قال في طليعة العهدة الأولى، أن ما حدث يعتبر عنفا وأنه لو كان شابا لصعد إلى الجبل، متجاهلا إرهاب الدولة الذي مارسته الأجهزة الأمنية المختلفة وبطريقة منهجية، وهو إرهاب أشد قساوة ممّا مارسته فرنسا بشهادة من ذاقه وتجرع مرارته، فلا يقف له أحد، بينما تقف امرأة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو من هو في مكانته، وفضله، وأمانته، فترده عن خطئه، فيسمع لها ويقول "كل الناس أفقه منك يا عمر" ولم يأمر بسجنها. فمن حق أفراد الشعب أن يردوا عن انحرافات الحكام، وهم فوق أعواد المنابر، فكيف بالأئمة والدعاة والعلماء، بل إن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، كفل حق النقد والمعارضة حتى لألد خصومه الخوارج، قائلا لهم "لكم علينا ثلاث، لا نمنعكم من مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم من الفيء، ولا نبدؤكم بقتال"، وكان يقول في آخر حياته "لا تقاتلوا الخوارج من بعدي فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه"، فقد سبق الإمام العالم بأسره في إعطاء المتطرفين حقهم في المعارضة ولم يقم بتحريض الناس عليهم مستغلا مكانته في الإسلام أو انجازاته ولم يقم بتسييس المسجد لصالحه كما تفعل كثيرا من البلدان العربية والإسلامية التي لم تكتفي بتسييس الرياضة والفن والمدرسة والجامعة والمرأة ورجال الأعمال والجمعيات العامة والخاصة، بل راحت تسيّس المسجد لصالحها، وإقصاء الآخرين، وكما يفعله المرشح الحر، عن طريق وزير الشؤون الدينية، بحكم أنه ينتمي إلى حزب ينادي بالمشاركة الساحقة الملاحقة، ليضل وزيرا في العهدة الثالثة وهو من الوزراء المعمرين في مناصبهم، وعودة إلى سرد بعض الأمثلة.
-عندما تحالف الملك الصالح إسماعيل مع الإفرنج ضد أخيه نجم الدين اشترطوا عليه أن يسلم لهم لقاء ذلك كل من صيدا والشقيف وصفد وغير ذلك من حصون المسلمين، وأذن للصليبيين بدخول دمشق لشراء السلاح لقتال المسلمين في مصر، وذلك سنة 638 هـ، فغضب سلطان العلماء العز بن عبد السلام لهذه الخيانة العظمى، والخروج عن أحكام الدين والشرع، فجاهر بالنهي عن المنكر، وأصدر فتوى بتحريم بيع السلاح للإفرنج، وصعد منبر المسجد الأموي الكبير وذم موالاة الأعداء وقبح الخيانة وشنع على السلطان وقطع له الدعاء بالخطبة وصار يدعوا بما يوحي بخلعه واستبداله ويقول "اللهم أبرم لهذه الأمة أمرا رشدا تعز فيه وليك، وتذل فيه عدوك" ويعمل فيه بطاعتك، وينهى فيه عن معصيتك"، فما كان من صالح إسماعيل إلا أن عزل الشيخ عن الخطابة والإفتاء وأمر باعتقاله، واعتقال الشيخ ابن الحاجب المالكي الذي شاركه في الإنكار وأمره بلزوم بيته، وأن لا يفتي أي الإقامة الجبرية بلغة العصر. وهذا دليل على أن الحاكم كما يدعى له، يدعى عليه إذا خالف أحكام الشرع، ولا ينسى الشعب الجزائري كيف استقبل المرشح الحر كبار المجرمين من أمثال رامسفيلد، ورايس وبوش الذين قتلوا إخواننا في العراق وأفغانستان وساندوا الكيان الصهيوني الإرهابي في حربه على حزب الله ومؤخرا على غزة؟!!!، فضلا عن الاتصالات الخفية أمنيا وسياسيا.
- وهذا الفقيه القاضي منذر ابن سعيد البلوطي عندما حضر عبد الرحمن الناصر الذي أسس مدينة الزهراء، وزيّن قبابها بالذهب والفضة وأسرف عليها من مال المسلمين، صعد البلوطي المنبر وأخذ في تلاوة قوله تعالى "أتبنون بكل ريع آية تعبثون * وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون * وإذا بطشتم، بطشتم جبارين * فاتقوا الله وأطيعون" وأخذ في ذم الترف والبذخ وإضاعة أموال الأمة في بناء القصور، ثم قال، والله يا أمير المؤمنين ما ظننت أن الشيطان أخزاه الله يتمكن منك هذا التمكن حتى أنزلك منازل الكافرين، فجعلت قراميد بيتك من الذهب والفضة، والله يقول "ولو لا أن يكون الناس أمة واحدة، لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون * ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون * وزخرفا، وإن كل ذلك لمّا متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين" وبفضل هذه الخطبة، التي صدع فيها هذا الإمام بكلمة الحق أبطل الناصر الاحتفال وأقسم أن لا يصلي خلفه، ولكنه لم يعزله كما طلب إبنه بذلك، فقال له ويحك يا بني، أمثل منذر بن سعيد في فضله وورعه وعلمه لا أم لك، فكيف لو حضر منذر بن سعيد توزيع المليارات الطائلة على الفنّانين والفنّانات في مناسبات شتى، عوض أن تصرف هذه الأموال في وجوهها الشرعية؟!!!.
- وهذا عبد القادر الكيلاني، يقف على منبره محاسبا المقتفى لأمر الله، ومنكرا عليه تولية يحي بن سعيد المشهور بابن المزاحم الظالم القضاء، وقال له مخاطبا وهو على أعواد المنبر "وليت على المسلمين أظم الظالمين، فما جوابك إذا عند رب العالمين، أرحم الراحمين؟" فارتعد الخليفة وعزل المذكور لوقته ولم يقل له، ما دخلك في صلاحياتي وأنا رئيس الجمهورية، ولم يقل له، ما دخل السياسة في الدين؟ إلى آخر ما نسمعه في عصرنا هذا من الأقاويل التي ما أنزل الله بها من سلطان.
- والأمثلة في هذا الباب كثيرة، أسأل الله تبارك وتعالى أن يمنحني من الوقت والقدرة على جمعها في كتاب، ليتعرف عموم المسلمين كيف واجه السلف الصالح مفاسد وشرور الحاكم الطالح عبر التاريخ.
- بل ذهب بعض المحققين من أهل العلم إلى أن الدعاء للحكام على المنابر بدعة لم يكن عليها السلف الصالح، هذا في حق الحاكم العادل، ونص ابن خلدون على أن الدعاء للحكام على أعواد المنابر إنما هو من شارات الملك، وفي بعض البلاد يعزل الإمام الذي لا يدعوا للحاكم على المنبر، وأغرب من هذا وذاك، أن وزير الشؤون الدينية بتاريخ 27/10/2007 قال "لا جمعة دون خطبة تعترف بالسلطات" ونصح أحدهم بأن يصلي الجمعة ظهرا إذا كانت خطبة الإمام لا تعترف بالدولة وهذا من أعجب الفتاوى وأغربها إن صح النقل. بل نص الفقهاء على حرمة الكلام أثناء الخطبة، لقوله عليه الصلاة والسلام "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت، والإمام يخطب فقد لغوت، ومن لغى فلا جمعة له" وعند المالكية أنه يحرم الكلام ما لم يحصل من الإمام لغو في الخطبة، كأن يمدح من لا يجوز مدحه، أو يذم من لا يجوز ذمه، فإن فعل ذلك سقطت حرمته، ويجوز الكلام حال جلوسه على المنبر قبل شروعه في الخطبة، وفي آخر الثانية عند شروع الخطيب في الدعاء،وعند الحنابلة لايحرم الكلام، عند شروع الخطيب في الدعاء لأنه يكون قد فرغ من أركان الخطبة، والدعاء لا يجب الإنصات له، واعتبر الإمام القرطبي رحمه الله الإمام الذي يغالي في كلامه هو اللاّغي. وبعض أهل العلم أجاز الكلام إذا مدح الإمام من لا يستحق المدح شرعا، وأن يتكلم والإمام يخطب ولا يشمله حديث "ومن لغى فلا جمعة له" قال الإمام المالكي ابن العربي رحمه الله "رأيت الزهاد بمدينة السلام والكوفة، إذا بلغ الإمام إلى الدعاء لأهل الدنيا، قاموا، فصلوا ورأيتهم أيضا يتكلمون مع جلسائهم فيما يحتاجون إليه من أمورهم، لأنه عندهم لغو فلا يلزم استماعهم، لاسيما وبعض الخطباء يكذبون" وقال المقري رحمه الله في التحف والطرف "سمعت العلامة أبا زيد ابن الإمام، يقول في تفسير قوله عليه السلام في الموطأ "إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت" "إذا أخذ (أي الإمام) في الثناء على السلطان جاز الكلام وارتفع وجوب الإنصات لأنه في هذه الحالة يمدح ولا يخطب، فهو أولى بأن يحثى التراب في وجهه"، قال (أي المقري)، فاستحسنت هذا من رأيه، واستدل بقوله تعالى "وإذا مروا باللغو مروا كراما"، "وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه"، وإنني بصدد تأليف كتاب يفصل القول في حكم الدعاء للحكام لهم أو عليهم، تحت عنوان "التبر المسبوك في حكم الدعاء – لـ أو على- الحكام والملوك" أسأل الله الوقت والسداد.
2- لقد وصف وزير الشؤون الدينية الانتخابات بالشهادة، وحذر من التخلي عن الإدلاء بالشهادة، ونحن نقول، إن كلمة الشهادة في لغة العرب تعطي أولا معنى الحضور مع المشاهدة، إما بالبصر أو البصيرة، والشهادة يشترط فيها أن تكون على علم، قال ابن الجوزي في تفسير قوله تعالى "إلا من شهد بالحق وهم يعلمون"، "وفي الآية دليل على أن شرط جميع الشهادات أن يكون الشاهد عالما بما يشهد به"، وما من شهادة يدلي بها الإنسان، إلا سيسأل عنها يوم القيامة، لقوله تعالى "ستكتب شهادتهم ويسألون" وهي تقتضي حضور العقل والقلب، لقوله تعالى "إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد"، والأمة الإسلامية هي أمة الشهادة، لقوله تعالى "لتكونوا شهداء على الناس"، قال محمد عبده رحمه الله ", وإنما جعلكم كذلك لتكونوا بالحق على الناس، بما فرّطوا في جنب الدين، أو أفرطوا فيه"، ومقام الشهادة مقام عظيم، أبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سمع قوله "فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد، وجئنا بك على هؤلاء شهيدا"، كما أن كتمان الشهادة كبيرة من الكبائر، لقوله تعالى "ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله" وقوله تعالى "ولا تكتموا الشهادة، ومن تكتمها فإنه آثم قلبه" لأن في كتمانها تضييع الحقوق، غير أن الشهادة بالحق لوجه الله الكريم طلبا في مرضاته تخالف شهادة الزور، وشتان بين هذه وتلك، فشهادة الزور من كبائر الإثم والفواحش، وللأسف الشديد أننا في الزمان الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم "يشهدون ولا يستشهدون" وهؤلاء شهداء الزور الذين تعد شهادتهم باطلة.
- كيف نشهد لحاكم سياسته فاقدة للرشد؟، ولا شك أن المترشح المستقل سيتحدث يوم 11 مارس عن ميثاق الحكم الراشد، فما هو المعيار الشرعي للحكم الراشد أيها الوزير؟!! فهذا فرعون ادعى أنه سياسته رشيدة بقوله "وما أهديكم إلا سبيل الرشاد"، ومؤمن آل فرعون دعا قومه إلى الرشاد بقوله "وقال الذي آمن يا قوم اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد" ولكن الله تبارك وتعالى رد على فرعون بقوله "فاتبعوا أمر فرعون، وما أمر فرعون برشيد" وهذا رئيس وزراء بريطانيا السابق، بلير والذي يعد مجرم حرب، أسس شركة عنوانها "من أجل الحكم الرشيد" وهكذا أصبح طواغيت العالم يدعون الرشد لسياساتهم المجرمة. لقد تعلمنا أن أهم ركائز الحكم الراشد هو في إتباع القرآن الكريم، قال تعالى "إن سمعنا قرآنا عجبا، يهدي إلى الرشد"، وقد بين الله طريق الرشد والغي في كتابه، قال تعالى "لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي" وقال في شأن المجرمين "وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيل، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا" وقال عليه الصلاة والسلام "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين"، فكل حاكم لا يتخذ كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، مرجعية في الحكم فحكمه يتسم بالبطلان شرعا، ولا يجوز مبايعته ولا انتخابه كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
- وكيف نشهد لحاكم يقوم برشوة شعبه؟ وكلنا يعلم أن الرشوة أمره عظيم وخطرها جسيم، وملعون من أعطاها ومن أخذها ومن سعى بين الراشي والمرتشي، حتى قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه "الرشوة في الحكم كفر" فكيف نعاقب حكام المقابلات الرياضية أو من دفع الرشوة مضطرا للحصول على بعض حقوقه المهدورة، ولا نعاقب رئيس البلاد إذا قام بإرشاء شرائح من الشعب وشراء ذمم الآخرين بأموال الأمة؟ فالرشوة هي القانون الأقوى في البلاد من أعلى القمة إلى القاعدة إلا ما رحم الله تعالى، وهاهو "المرشح المستقل" يقوم برشوة النساء بمناسبة عيد المرأة 08 مارس بالدعوة إلى إقحام المرأة في دواليب الدولة، وربما تحديد كوطة لها للوصول إلى المناصب السياسية العامة، طمعا في كسب أصواتهن، وبزعم تطبيق المواثيق الدولية التي وقعت عليها الجزائر بشأن مساواة النساء بالرجال، وفي الوقت ذاته يمنع الرئيس شريحة واسعة وعريضة من الرجال من ممارسة حقوقهم السياسية والمدنية رغم أن الجزائر وقعت المواثيق الدولية بشأن الحقوق السياسية والمدنية للمواطنين "مالكم كيف تحكمون"؟!!! ولكن هذه الخدعة السياسية لا تنطلي على الواعيات من النساء ولنا عودة إلى موضوع المرأة ومكانتها كما تحدده أحكام الشريعة الإسلامية الغراء، وشتان بين من يريد للمرأة مكانتها ومن يريدها سلعة مبتذلة أو مجرد ديكور للزينة أو مجرد أصوات انتخابية أو من يريد توليد صراع مرير بين الرجال والنساء بدل التكامل والتعاون على البر والتقوى.
-وكيف نشهد لحاكم ؟ منع الناس حقوقهممن ممارسة حقوقهم السياسية المروعة وأعطى الحصانة لجنرالات اعتدوا على اختيار الشعب وقمعوا وسجنوا وعذبوا أبناء الشعب الجزائري مما دفع بعشرات الآلاف من الشباب إلى رفع السلاح دفاعا عن أنفسهم من إرهاب الأجهزة الأمنية القمعية، إن العمل السياسي والمشاركة في الشأن العام من صميم ديننا الحنيف، قال الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله "...ولا ينهض العلم والدين حق النهوض إلا إذا نهضت السياسة بجد".
وقال أيضا "ما هذا العيب الذي يعاب به العلماء المسلمون إذا شاركوا في السياسة، فهل خلت المجالس النيابة الكبرى والصغرى من رجال الديانات الأخرى؟ وهل كانت الأكاديمية خالية من آثار الوزير القسيس ريتسليو؟ أفيجوز الشيء ويحسن إذا كان من هنالك ويحرم ويقبح إذا كان من هنا؟!! وقال الشيخ البشير الإبراهيمي رحمه الله "نحن نعد السياسة عملا طبيعيا معقولا ووسيلة من وسائل خدمة الوطني لوطنه وبني جنسه"، وقال أيضا "إن أعلى معاني السياسة عند الحاكمين هو تدبير الممالك بالقانون والنظام وحياطة الشعوب بالإنصاف والإحسان، فإذا نزلوا بها صارت إلى معنى التحايل على الضعيف ليؤكل، وقتل مقوماته ليهضم، والكيد للمستيقظ حتى ينام، والهدهدة للنائم حتى لا يستيقظ".
-وكيف نشهد لحاكم جائر عن أحكام الشرع؟! قال الإمام الغزالي رحمه الله "أن طاعة الإمام لا تجب على الخلق إلاّ إذا دعاهم إلى موافقة الشرع" وقال ابن حزم الأندلسي رحمه الله "الإمام الواجب طاعته، ما قادنا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإذا زاغ عن شيء منها، منع من ذلك وأقيم عليه الحد والحق، فإذا لم يؤمن أذاه إلا بخلعه، خلع وولي غيره" وعدّ العلماء أن "من رؤوس الطواغيت الحاكم الجائر المغير لأحكام الله تعالى والذي يحكم بغير ما أنزل الله تعالى" ولا غرابة أن يعد الإمام بن باديس الحاكم الجائر من أعظم الفتن التي ضربت الأمة الإسلامية، حيث قال "إن أعظم فتنة هي الحاكم الجائر...إن أعظم ما لحق الأمم الإسلامية من الشر والهلاك كله جاءها على يد السلاطين الجارين منها ومن غيرها هذا ما يشهد به تاريخها في ماضيها وحاضرها" وحكام الجور من أسباب الفتن كما ذهب إليه كعب الأحبار حيث قال لعبد الله بن عباس رضي الله عنه "يا ابن عباس، إذا رأيت السيوف قد عريت والدماء قد أهريقت، فاعلم أن حكم الله قد ضيع، وانتقم الله لبعضهم البعض" وقال ابن باديس رحمه الله "الحكومة التي تتجاهل دين الشعب تسيء في سياسته وتجلب عليه الأضرار والأتعاب"، ولذلك كان صريحا في بيان منهجه الإصلاحي "القرآن إمامنا، والسنة سبيلنا والسلف الصالح قدوتنا وخدمة الإسلام والمسلمين وإيصال الخير لجميع سكان الجزائر غايتنا". ومعلوم لدى علماء الأمة وعوامها أن الحاكم الجائر والظالم والفاسق لا يجوز ترشيحه ولا انتخابه ابتداء لما في ذلك من الوعيد الشديد على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنه سيكون بعدي أمراء من صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه وليس بوارد علي الحوض ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه، وهو وارد علي الحوض" وقال أيضا "يكون في آخر الزمان أمراء ظلمة ووزراء فسقة وقضاة خونة وفقهاء كذبة فمن أدرك منكم ذلك، فلا يكونن لهم جابيا ولا عريفا ولا شرطيا"، تقول بفصل الدين عن الدولة ومع أحزاب إسلامية تقول بوصل الدين بالدولة؟!!!
وأغلب حكام العالم الإسلامي لا هم يطبقون أحكام الشريعة ولا يسمحون بتأسيس أحزاب إسلامية تهدف إلى الدفاع عن الإسلام وشريعته بطريقة سلمية شأن السماح بتأسيس أحزاب علمانية لائكية، فلماذا يسمح بتأسيس أحزاب تنادي بفصل الدين عن الدولة ومنع وقمع من ينادي بوصل الدين بالدولة، مادامت الكلمة ترجع أخيرا إلى اختيار الشعب؟!!! فلنترك المشاريع والبرامج تنافس في الساحة السياسية والشعب هو صاحب الاختيار الحر في اختيار حكامه.
3- قال وزير الشؤون الدينية "إن الانتخاب واجب ديني وأخلاقي"، ونحن نقول، إن الانتخاب واجب شرعي وفريضة سياسية تلزم كل مسلم ومسلمة لقوله عليه الصلاة والسلام "من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية" وهذا الحديث الصحيح فيه حث على المبايعة للحاكم، لكن السؤال المطروح شرعا، من هو الحاكم الذي يجب شرعا مبايعته؟!!!
أ- لقد نص العلماء قديما وحديثا أنه لا يجوز مبايعته وانتخاب أي حاكم إلا إذا تعهد في عقد البيعة بإقامة أحكام الكتاب والسنة، فإن لم يصرح بذلك فلا تجوز مبايعته ولا انتخابه، وإذا أخذ الحكم بالقوة أو التزوير أو التحايل على الشعب فهو متغلّب يتعامل معه كسلطة فعلية فاقدة للشرعية.
قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه:"أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فلا طاعة لي عليكم" وفي الحديث الصحيح "اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله"، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه "إنما بعثت إليكم عمالي (الولاة) ليعلموكم كتاب ربكم وسنة نبيكم ويقيموا بينكم دينكم" فلم يقف عند حد التعليم لأن الإسلام ليس مجرد ثقافة أو مواعظ أو تعاليم باردة، أضاف "ليقيموا" أي يقيموا أحكام الكتاب والسنة تنفيذا كقوله تعالى "أن أقيموا الدين" أي أقيموا أحكامه، وكقوله تعالى "ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم" أي أقاموا أحكام الشرائع المنزلة، وقال الإمام علي رضي الله عنه "لو أن أبا بكر وعمر عملا بغير كتاب الله وسنة رسوله لم يكونا على شيء من الحق" وقال أبو يعلى رحمه الله "وصفة العقد أن يقال، بايعناك على بيعة رضا على إقامة العدل والإنصاف والقيام بفروض الإمامة" ومن مواصفات الدولة الإسلامية أن تتحاكم إلى شرع الله في كل أمر من أموها وهذا ما ذهب إليه أزيد من 31 عالما من علماء المسلمين في المؤتمر العالمي الذي عقد بكراتشي سنة 1951 حيث عددوا الصفات الواجب توفرها في الدولة الإسلامية الشرعية، وإن تعجب فعجب عندما ترى بعض أئمة وعلماء ودعاة وبعض شيوخ زوايا يسارعون في الدعوة إلى انتخاب حكام لا ينفذون أحكام الشريعة، وكان الواجب عليهم شرعا أن يشرحوا للناس ما هي الشروط الشرعية التي على أساسها ينتخب الحاكم المسلم لشعب مسلم، وعلى الدعاة والعلماء، أن يشرحوا للناس شروط صحة الإمامة الكبرى كما يسهبون في شرح صحة الإمامة الصغرى، ألم يسمعوا ذات مرات المرشح المستقل وهو يقول، لن تكون هناك دولة إسلامية ولا دولة علمانية، بل نقول أن العلمانية مطبقة ميدانيا وهي السياسة السائدة القادة في واقع الحياة ولم يبق للإسلام إلا بعض الشعائر أما الشرائع فأغلبها طمست والواقع أكبر شاهد. ونحن لا نطالب الدعاة والأئمة أن يدعو إلى المشاركة أو المقاطعة وإنما يجب عليهم شرعا أن يشرحوا لعموم المسلمين الشروط والضوابط الشرعية التي يجب توفرها في الحاكم المسلم ليحكم شعبا مسلما، كما نص عليها الكتاب والسنة وأئمة الإسلام العظام من أهل الفقه والدراية بأصول السياسة الشرعية، وعند ذلك سوف يعرف الناس، هل يستحق الانتخاب فيقدم على المشاركة، ومن لا تتوفر فيه شروط البيعة والانتخاب فيقدم على المقاطعة من تلقاء نفسه، إن أغلب الذين ينادون بالمشاركة همهم الوحيد حطام الحياة الدنيا والوصول إلى المناصب أو البقاء فيها، والحفاظ على مصالحهم الخاصّة وقد جاء في الحديث الصحيح أن من بايع حاكما لمنصب أو حظ من حظوظ الدنيا، فلا يكلمه الله ولا يزكيه وله عذاب عظيم، قال الإمام الخطابي رحمه الله "الأصل في المبايعة للإمام أن يبايع على أن يعمل بالحق ويقيم الحدود ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فمن جعل مبايعته لما يعطاه دون ملاحظة المقصود فقد دخل في الوعيد".
ب- من أهم وظائف الحاكم المسلم لشعب مسلم هو إقامة أحكام الشرع، قال الإمام علي رضي الله عنه "حق (أي فرض) على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك، فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا" وقال الماوردي رحمه الله في بيان وظائف ومهام الحاكم المسلم "حفظ الدين على أصوله المستقرة وما أجمع عليه سلف الأمة..." وقال ابن خلدون رحمه الله في الخلافة "إنها حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها" فتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية وفق سياسة شرعية حكيمة فريضة من الفرائض على الحاكم المسلم لقوله تعالى "ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون" ولذلك كان عبد الله بن الزبير رضي الله عنه يسمي سورة الجاثية سورة الشريعة، قال قتادة "الشريعة الفرائض والحدود والأمر والنهي" وقال القرطبي المالكي "الشريعة والفرائض والحدود والأمر والنهي" وقال عبد الحميد بن باديس رحمه الله"إن الذين يتخلون عن الشريعة الإسلامية هم حتما من الكفرة" وهذا الأمير عبد القادر رحمه الله، أقام دولة إسلامية حديثة ونص أن قانونها الكتاب والسنة ومدونة الإمام مالك، وهو القائل "ليس الخير في الدنيا إلا ما أمر به الشارع ولا شر إلا ما نهى عنه" وقال "إن أهل الله هؤلاء الذين تابعوا الاستقامة والمشي على الكتاب والسنة" وقد تمت له البيعة والانتخاب في المسجد لأن المسجد كان ويجب أن يبقى هو القلب النابض للأمة وكلنا يعلم ما قدمه المسجد أيام ثورة التحرير الكبرى يكفي أن مظاهرة 1945 انطلقت من مسجد بمدينة سطيف، وكلنا يعلم ماذا قدمته المساجد الحرة التابعة لجمعية العلماء الجزائريين في مواجهة الاستعمار على أكثر من صعيد، ولقد حرص العلماء الربانيين على رسم معالم الدستور الإسلامي الذي يجعل في صلبه وصميمه وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية، ومن العلماء الجزائريين الذين حاولوا رسم معالم الدستور الإسلامي الشيخ الجليل أبو عبد الله بن عبد القادر بن محمد بن الجيلالي البطيوي المولود سنة 1868 والمتوفى في 1952 في مؤلف مخطوط أسماه "الدستور الجزائري كيف يكون من الكتاب والسنة" وما أكثر مشاريع الدساتير الإسلامية التي ألفها العلماء هدفها الأساسي النص على أن المرجعية العليا في الدولة الإسلامية تكون للكتاب والسنة.
* والحاصل: أن أهم وظائف الحاكم المسلم لشعب مسلم هو تحكيم الشريعة ونقصد تنفيذها لا مجرد السماح بتعليمها، فالحكام الذين يريدون مخادعة شعوبهم تارة بتدشين المساجد وتارة بزيارة قبور الأولياء وتارة بإحياء المواليد وتارة بتنويع المصاحف في مناسبات معينة وتارة بتنصيب مفتي الجمهورية -أستغفر الله، أقصد مفتي السلطة- والدليل على ذلك أننا لم نجد إلى اليوم مفتي من هؤلاء يعارض سياسة من نصبه الحاكم مفتيا للجمهورية عفوا للسلطة، بل أغلب الفتاوى لتبرير ما يتخذه الحاكم من سياسات داخلية أو خارجية خلافا لما كان عليه علماء السلف الأوائل، كما سبق ذكره وتارة بتدشين إذاعة للقرآن أو فضائية للقرآن، كما سيقدم عليه المرشح المستقل يوم 17 مارس 2009 أي قبل انطلاق الحملة الانتخابية بيومين إن صح الخبر، بينما أحكام القرآن معطلة ومهجورة وأصبح لكل دولة فضائية إسلامية مما أدى إلى تعارض هذه الفضائيات، ولذلك حذر وزير الشؤون الدينية مؤخرا المواطنين "من الفتاوى التي تبث عبر الفضائيات لأن بعضها خاطئ لاعتبارات مذهبية وسياسية مرتبطة بالقناة" ونحن نقول، ما هي السياسة الإسلامية لفضائية القرآن في الجزائر؟ ومن يرسم هذه السياسة ؟ أهي الوزارة أم جهاز المخابرات؟ فقد علمنا أن المخابرات أصبح لها صولة وجولة في أروقة الوزارة وفي إنشاء المجالات الإسلامية ذات الورق الصقيل، واختيار الأئمة والدعاة الذين يسمح لهم بالكلام في إذاعة القرآن، لأهداف سياسية أمنية صرفة، بعيدا عن الغيرة على أحكام الشريعة، وربما تم اختيار الدعاة والأمة لفضائية القرآن المزمع إطلاقها قريبا، بل إن بعض رجال المخابرات أصبح لهم صولة وجولة في الاتصال بالمشايخ والعلماء والدعاة عبر سفارات الجزائر في دول العالم العربي والإسلامي، واستقدامهم تارة باسم رئيس الجمهورية وتارة باسم الوزراء وتارة باسم المجلس الإسلامي الأعلى، كل ذلك لأهداف سياسية مشبوهة وليس لخدمة الإسلام وتنفيذ أحكام الشريعة وهذا من باب اختراق المخابرات للساحة الدعوية داخليا وخارجيا، بعد أن اخترقوا الأحزاب والجمعيات وأجهزة الإعلام وبعض الصحف والعمل المسلح وأغلب مؤسسات الدولة ليتحكموا في جميع مفاصل السلطة ويفرضوا سياستهم على سلطة الواجهة ويضمنوا بذلك مصالحهم الداخلية والخارجية، ولا أريد أن أطيل في هذا المجال لأنه يحتاج إلى كتاب قام بذاته حول دور المخابرات في اختراق الساحة الدعوية داخليا وخارجيا، وعبر التنسيق العربي والغربي من أجل الخروج بإسلام جديد أمريكي مائع هجين لا يهدد مصالح الطغاة في الداخل وذلك بصناعة بعض الأئمة ودعاة يساهمون في تخذير الشعوب وإشغالها بقضايا لا قيمة لها ولا تهدد مصالح طغاة الاستكبار العالمي الذين يريدون طمس معالم الشخصية الإسلامية للشعوب المسلمة، ولا غرابة أن نجد التنسيق على أشده بين أجهزة المخابرات العربية والمخابرات الغربية تحت عنوان ما يسمى الأمن الفكري ومحاربة التطرف الفكري، والهدف الحقيقي هو مقاومة الفكر الإسلامي الأصيل الذي يشكل خطرا على طغاة الداخل والخارج، ومتى كانت أجهزة المخابرات في الدول العربية حريصة على أحكام الشريعة؟!!! خوفا من ثورات الشعوب على جلاديها، داخليا وخارجيا وعلى العلماء والدعاة الربانيين التنبه لهذا الدور الخطير الهدام الذي تقوم به المخابرات العالمية لاختراق الساحة الإسلامية لتدجين الشعوب المسلمة.
كان الواجب على جميع الوزراء بما فيهم وزير الشؤون الدينية التزام الحياد بحكم أن الحكومة ستشرف على الانتخابات ولكن كل القرائن القولية والفعلية تدل دلالة قاطعة على أن هذه الحكومة أبعد ما تكون عن الحياد فيكفي أن أغلب الوزراء كانوا حضورا يوم أعلن الرئيس ترشحه في القاعة البيضاوية، إذ يجب التفريق بين حضور تجمعات الرئيس كمرشح وبين حضور الاجتماعات الرسمية كرئيس، ولا يخفى عن الألبّاء أن كثرة بروز الرئيس في الإحتماعات الرسمية بعد طول غياب هذه الأيام له علاقة وطيدة بالحملة الانتخابية قبل ميعادها الرسمي 19 مارس، فكل الوزراء ينادون بالمشاركة ويحملون على دعاة المقاطعة وليس ثمة وزير واحد يخرج عن الجوقة والأغرب من هذا وذاك أن منسق اللجنة السياسية الوطنية لمراقبة الانتخابات الرئاسية حيث صرح محمد تقية بتاريخ 07/03/2009 "...ولا يتخلى عن أداء واجبه الوطني ولا ينساق وراء الدعوات المغرضة الداعية إلى مقاطعة هذه الانتخابات والتخلي عن واجبه الوطني" فقوله الدعوات المغرضة هو طعن في نوايا دعاة المقاطعة وهو عمل سياسي مشروع غي أبجديات السياسة ويكون بهذا التصريح قد خرج عن الحياد شأنه شأن جميع الوزراء الذين لا يملون من التملق للرئيس وينسبون له كل فضل وكأن الجزائر لم تر النور إلا منذ 1999، قبح الله التملق و"الشيتة" ولكن هذا التصرف غير مستبعد من محمد تقية الذي قبل أن يكون وزيرا للعدل في 1992 بعد الانقلاب على اختيار الشعب ونصبت المحاكم الخاصة سيئة السمعة، في الوقت الذي رفضت شخصيات وطنية وتاريخية تولي مناصب عليا بما في ذلك رئاسة الجمهورية احتجاجا على اغتصاب حق الشعب في الاختيار، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
* وأخيرا نقول، هذا بعض الرد على ما قاله وزير الشؤون الدينية بشأن تلك الأوصاف الشائنة التي أطلقها على دعاة المقاطعة من الناحية الشرعية سائلا الله تعالى لنا وله وسائر المسلمين الهداية إلى طريق الحق والصواب "إليه يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح يرفعه"
نائب رئيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ
بن حاج علي
كلمة للشيخ بعنوان الامانة
الرابط الاول
http://www.youtube.com/user/saidnorway
الرابط الثاني
http://video.google.com/videoplay?do...68201868244422
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق